شیعة نیوز | الوكالة الشيعية للأنباء | Shia News Agency

0

الشهید الثانی ومنهجه الفقهی فی حوار مع الشیخ محسن الآراكی

رمز الخبر: 836
13:55 - 07 October 2012
 SHIA-NEWS.COM شیعة نیوز :

شیعة نیوز: سعینا إلى سماحة الشیخ محسن الآراكی ، حملنا إلیه أسئلتنا، وكان من الصعب علینا أن نكثف الأسئلة لنلاحق كلّ المساحة المعرفیة التی غطاها الشهید الثانی، حیث طوّر وأبدع وجدّد واجترح الجرأة فی أن یعلن الرأی المخالف غیر مسایرٍ للمشهور كلما انتهى به دلیله لأن یخالف. فاكتفینا ببعض الضوء نمدده رقیقا باهتا عبر السؤال الذی راعینا فیه قدرا من التنویع..فجاء هذا الحوار. عبدالرحیم التهامی

هناك حاجة ماسة الیوم لاستئناف النظر فی فكر الشهید الثانی وفقهه ومسلكه (هو الشیخ زین الدین بن علی العاملیّ الجبعیّ، المعروف بالشهید الثانی، ولد فی 13 شوال سنة 911هـ، واستشهد 965هـ).. والتی یمكن أن نرقى بها إلى مستوى الحاجة التاریخیة، فعندما تواجه الأمة انسدادات فی مسارها التاریخی؛ كما هو حاصل الآن، ویتعطل فعلها الحضاری عن الإبداع بل وترتكس إلى الجهالة المغلفة بالدین وتلوذ بعصبیاتها المذهبیة، وتفتتح على مسرح التاریخ الحدیث وعلى أعین الأشهاد حروبا مذهبیة كما حصل فی العراق ویراد له أن یحصل فی سوریا والبحرین، وكما قد یحصل فی أكثر من ساحة محتقنة، فإن ذلك یدفعنا إلى استحضار كل تجارب الإصلاح فی أمتنا، واقتباس جذوة النور من حملة المشاعل والاستعانة بها لعلنّا نحدث الخرق المطلوب.




1- أین تضعون الشهید الثانی(رض) فی التحقیب التاریخی للفقه الشیعی، وما هی خصائص فقهه، وما هی القیمة المضافة فی آراءه ومنهجه الفقهی؟

ج - تعلمون أن الفقه الشیعی مر قبل الشهید الثانی بمرحلتین أساسیتین، المرحلة الأولى وهی المرحلة التی سبقت عصر الشیخ الطوسی(رض) ویمکن أن نعبر عنها بمرحلة النص بما أنّ الفقه الشیعی فی مرحلة ما قبل الطوسی کان یعیش عصر الاعتماد على النص الذی روی عن رسول الله (ص) و عن الأئمة (ع)، وهذا فیما یخص الفقه - قبل عصر الطوسی- فقه الروایة أو فقه النص.
ثم جاء الشیخ الطوسی (رض) فادخل الفقه فی مرحلة جدیدة وهی مرحلة الاستدلال والتفریع، فحاول الشیخ الطوسی أن یستخدم الروایة الفقهیة وأن یقیم علیها الدلیل، ومن هنا دخل الفقه على یدیه مرحلة الفقه الاجتهادی الاستدلالی التفریعی، ویمکن أن نعبر عن هذه المرحلة بمرحلة التفریع . واهتم الشیخ الطوسی فی هذه المرحلة بالفقه المقارن، واستعان بالفقه المقارن فی فقه الاستدلال وفقه التفریع، ثم جاء من بعد الشیخ الطوسی عصر العلاّمة الحلّی الذی وسع فی مدیات الفقه الشیعی کثیرا؛ طبعا یمکن أن نعتبر المحقق الحلی هو الذی هیأ الأرضیة للتطور الذی حصل على ید العلامة الحلی.
ودخل الفقه مرحلة التوسعة والازدهار ومن هنا ألفت الموسوعات الکبرى على ید العلاّمة الحلّی کالتذکرة والمختلف ومنتهى المطلب وغیرها من الموسوعات الفقهیة الکبرى التی ألفها ودوّنها العلاّمة الحلی وقد تمیز فقه العلاّمة الحلی بتعمیق الاستدلال أولا وبالتفریع- التفریعات الجدیدة – ثانیا، و بالنظر إلى الفقه الآخر، ولذلک عدّ العلاّمة الحلی على رأس مرحلة جدیدة من الفقه عبّر عمن سبق العلاّمة الحلی بمرحلة المتقدمین ومن تأخر عن العلاّمة الحلی بالمتأخرین، فکان الحد الفاصل بین المرحلتین، مرحلة المتقدمین والمتأخرین، وباعتبار العلاّمة الحلی الحد الفاصل بین هاتین المرحلتین صار بنفسه تعبیرا عن هذه المرحلة.
ومع مجیء الشهید الثانی یمکن أن نعتبر عصره بدایة أخرى لمرحلة جدیدة من تطور الفقه الشیعی، وتتمیز هذه المرحلة عن المراحل السابقة بخصائص ثلاث: الخاصیة الأولى التی یمکن أن نصف بها فقه الشهید الثانی؛ وبه دخل الفقه مرحلة جدیدة؛ هی المنهج الاستدلالی حیث اعتمد الشهید الثانی فی استدلالاته بالإضافة إلى النص على العقل وعلى الإدراکات العقلیة إذ کان یعتمد على العقل - العقل بالمفهوم الشیعی - ویُقصد بالعقل عند الشهید الثانی البراءة العقلیة أو الاستصحاب العقلی، ویراد به أحیانا العقل البدیهی القطعی الذی لا یشک فیه اثنان، فقام الشهید الثانی بإدخال الاستدلال العقلی فی إطار الاستدلال الفقهی وأصبح الاستدلال الفقهی یعتمد على النص الشرعی ویعتمد على العقل إلى جانب النص الشرعی، الخاصیة الثانیة من خصائص فقه الشهید الثانی أن فقه الشهید الثانی کان یعتمد على التفریع، وکان من نتائج إطلاعه على فقه المذاهب الأخرى من ناحیة، وتصدیه للإفتاء بین الناس على طبق مذاهبهم من جهة أخرى أن الشهید الثانی(رض)کان على اتصال بالجماهیر وکانت تعرض علیه المسائل والفروع فیفتی فیها، وکان إلى جانب العمل الفقهی الاستدلالی -البحثی - کان یمارس الإفتاء حیث مکّنه هذا الإفتاء من أن یطّلع على فروع فقهیة کانت تعرض علیه من قبل المستفتین فخرج فقه الشهید الثانی فقها عملیا ینظر إلى الواقع الذی یواجهه الناس المؤمنون فی حیاتهم وممارساتهم الیومیة. وکان الشهید الثانی متضلعا فی التفریع الفقهی بشکل لافت، وکتابه "الروضة البهیة" وکذلک کتابه "مسالک الافهام فی شرح شرائع الإسلام" شاهدان على قدرته التفریعیة.
وکانت خصیصته الثالثة، خصیصة الشهید الثانی فی قدرته التعبیریة، فقد جمع بین أسلوبین فی تعبیره الفقهی؛ الأسلوب الموجز والمرکز الذی سلکه فی شرحه على اللمعة الدمشقیة -الروضة البهیة- فقد جمع فی کتابه بین الإیجاز والوضوح فکان کتابه موجزا وموضحا ومرکزا؛ فکتاب الروضة البهیة کتاب مرکّز لا یحتوی على ما یخرج عن الموضوع الفقهی الأساس، کتاب منهجی یرکز على الموضوع ولا یخرج من دائرة الموضوع الذی یهتم به علمیا، هذا کتابه الروضة البهیة الذی اعتمد فیه على أسلوب الإیجاز، أما فی کتابه "مسالک الافهام" فاعتمد فیه أسلوب الشرح التوضیحی المیسر، فتجد فی عبارة الشهید الثانی فی کتابه مسالک الافهام عبارة واضحة میسرة خالیة من الإغلاق والإبهام إلى جانب عمقها العلمی، ولم یکن من المیسر آنذاک شرح کتاب شرائع الإسلام للمحقق الحلّی الذی کان یعبّر عن قمة الفقه الشیعی الإفتائی، فکان الشهید الثانی أول من فتح باب شرح کتاب "شرائع الإسلام" شرحا فقهیا موسعا بأسلوبه الواضح التوسیعی، ولعلّ ما قام به الشهید الثانی من شرح "شرائع الإسلام" قد فتح على هذا الکتاب أبواب الشروح الأخرى، فأصبح کتاب شرائع الإسلام محورا بعد عصر الشهید الثانی للبحث الفقهی ولشروح توسیعیة واستدلالیة کثیرة من أهمها کتاب "جواهر الکلام" للمحقق النجفی(رض) وتوالت الشروح على الکتاب على اثر ما قام به الشهید الثانی من شرحه لهذا الکتاب القیّم.

2- وصف الشیخ محمد بن علی العودی (تلمیذ الشهید الثانی) تصانیف أستاذه الشهید الثانی(ره) بأنها "أبهى من القلائد.. وأنه أقطعها ما شاء من الإتقان والإبداع، وسلک فیها مسالک المحققین.."ما هی تجلیات هذا التمایز فی تصانیف الشهید الثانی؟

ج- طریقة المتقدمین کانت طریقة لا تعتمد على الاستدلال الموسع، فأنت لا تجد فی الفقه الذی تقدم على الشهید الثانی التوسعة فی العمل الاستدلالی، الاستدلال کان مختصرا ویقتصر على الاعتماد على نصوص معینة ، وتجد أن الفقهاء الذین تقدموا على الشهید الثانی بدءا من المفید ثم الشیخ الطوسی حتى ابن ادریس الذی حاول أن یأتی بشیء جدید فی عالم التجدید الفقهی وحتى المحقق الحلّی..وحتى الشهید الاول تجد فی ممارساتهم الاستدلالیة البساطة فی الاستدلال، أی أن الاستدلال موجود ولکنّه استدلال بسیط لیس استدلالا موسعا أو معمقا..لکنک حینما تقرا أسلوب الشهید الثانی فی ممارسة الاستدلال تجد أنک أمام استدلال موسع ولونا جدید من الممارسة الاستدلالیة، ولعل هذا هو المراد من سلوکه طریق المحققین، لأن هذه الطریقة الاستدلالیة الموسعة المرکزة التی لا تکتفی بالاستدلال من جهة واحدة وإنما تجمع بین جهات الاستدلال کلها، ولا تنظر إلى الروایة من جانب واحد بل تحاول أن تنقب فی النص الروائی وتحاول أن تستکشف من النص الروائی ما وراء ظاهرة النص .. هذه المحاولة التحقیقیة هی التی جعلت من طریقة الشهید الثانی طریقة جدیدة ومتمایزة کما ألمح إلى ذلک تلمیذه.

3- سافر الشهید الثانی کثیرا فی الحواضر العلمیة وتتلمذ على مشایخ المذاهب الإسلامیة فی عصره، بعض هذا التتلمذ کان لأجل التعرف على مناهج التدریس، کما نجده قد اهتم بالتصنیف واعتمد فی ذلک أسلوبا جدیدا..انظلاقا من هذا، کیف تبلور البعد التجدیدی عند الشهید الثانی؟

ج- فقهائنا وعلمائنا لم یکن من اهتمامهم أن یأتوا بشیء جدید، إذ لم یکن الجدید أمرا مطلوبا عند فقهاءنا المحققین لنفسه، وإنما کان الجدید استجابة لحاجة تفرض على ساحة الفقه فیأتی الفقیه بشیء جدید تلبیة لحاجة جدیدة، فالجدید لیس مطلوبا، وقد یکون مطلوبا إذا کان تصحیحا لخطا سابق أو تلبیة لحاجة مستجدة، ومن هنا نجد أن الشهید الثانی کانت له هذه الحالة إذ کانت له حالة الاهتمام بتلبیة الحاجات الجدیدة ، ویبدو أن ارتباطه مع المجتمع الإسلامی العربی العام( المجتمع الغیر الشیعی ) جعله یخرج من بعض الإطارات التی فرضت على الجو الفقهی الشیعی نتیجة للظروف السیاسیة التی کانت تحکم المجتمعات الشیعیة، على سبیل المثال اهتم الشهید الثانی بصلاة الجمعة، وتألیفه رسالة خاصة تحت عنوان "رسالة الجمعة" وإصراره فی الاستمرار على وجوب صلاة الجمعة وجوبا تعیینیا على الجمیع، وهذا کان خروجا عن المألوف، هذا الخروج عن المألوف کان نتیجة لما عاشه الشهید الثانی من العلاقة الوطیدة بالمجتمعات الغیر الشیعیة واستطاع أن یصل إلى هذه النتیجة. إن الذهنیة التی تحکم الفقه الشیعی التی تخص عدم وجوب صلاة الجمعة وجوبا تعیینیا نشأت نتیجة للظروف السیاسیة التی کان یعیشها فقهائنا، بما أن الظروف السیاسیة لم تکن تسمح لفقهائنا بأن یقیموا صلاة الجمعة، ولم تکن تسمح للشیعة بان یجتمعوا فی مکان واحد لیقیموا صلاة الجمعة بحریتهم واستمرت هذه الحالة السیاسیة لمدة قرون منذ عصر الأئمة علیهم السلام وحتى القرون المتأخرة القریبة من عصر الشهید الثانی.
رأى الشهید الثانی أن هذه الذهنیة الفقهیة هی ذهنیة قد تولدت نتیجة لتراکمات الظروف السیاسیة ولیست ولیدة الدلیل الفقهی التی تفرض على الفقیه أن یذهب إلى هذا الاتجاه، فراجع النص فوجد أن النصوص لو لوحظت لوحدها وبمعزل عن هذا الإطار السیاسی فهی تفید الفقیه أن صلاة الجمعة لابد أن تکون صلاة واجبة بالوجوب التعیینی، ولابد أن یقضى على هذه الذهنیة التی کانت ترى أن صلاة الجمعة لا تجب بالوجوب التعیینی، أی تجب اما بالوجوب التخییری أو لا تجب أصلا فی عصر الغیبة الکبرى لأنها مشروطة بحضور الإمام أو من نصبه الإمام المعصوم.
هذا کمثال یعبر على أن الشهید الثانی کان فقیها حرا فی تفکیره الفقهی، خارجا عن الإطار المألوف المفروض علیه من خارج النص والدلیل، وهذه میزة فی تفکیر الشهید الثانی، هذه المیزة جاءت نتیجة للفحص الفقهی للشهید الثانی ولم تأتی رغبة منه لکی یأتی بالجدید، بل جاءت استجابة لحاجة علمیة والحاجة العلمیة هی أن الشهید الثانی وجد أن النصوص الشرعیة تؤکد على أن صلاة الجمعة واجبة وجوب تعیینی على خلاف ما کان السائد علیه عند الفقهاء المتقدمین . ولذلک کان الشهید الثانی المجدد ولکن لم یکن هذا التجدید حبّا فی الجدید بما هو جدید، وإنما کان استجابة لمتطلبات استدلالیة التی تفرض على الفقیه أن ینظر إلى الدلیل قبل أن یخضع للظروف التی تحکم عصره.

4- عرف عن الشهید الأول(ره) اهتمامه بالبعد المقاصدی فی الشریعة، ویبرز ذلک جلیا فی کتابه "القواعد والفوائد"، إلى أی حد تبلور هذا البعد المقاصدی فی النتاج الفقهی للشهید الثانی(ره)؟

ج- هذا البعد المقاصدی کان ملحوظا فی الفقه الشیعی منذ عصر السید المرتضى (رض)، فإنک ترى فی استدلالات السید المرتضى کثرة الالتفات إلى البعد المقاصدی، وکان یعبر عنه بالمصلحة العقلیة بما یفرضه العقل على أساس من أن الفقه الشیعی کان یرتکز على قاعدة کلامیة - الأحکام الشرعیة تابعة للمصالح والمفاسد- هذه القاعدة یشیر إلیها السید المرتضى کثیرا، وکان یلفت النظر إلیها أیضا الشیخ الطوسی أحیانا فی استدلالاته الفقهیة، هذه الحالة وهذا التوجه استمر فی الفقه الشیعی ولکنه توسع على ید الشهید الأول إذ رکز النظر إلى هذا الجانب، حاول ان یلتفت إلى المقاصد التی تدل علیها الأدلة الشرعیة أو تدل علیه الأدلة العقلیة القطعیة، وکما سبق وذکرنا فإن الفقه الشیعی لا یستند إلى العقل الظنی، ورفض الاعتماد على العقل الظنی کما صرح به العلامة الحلی، وکما صرح به قبله أیضا الشیخ الطوسی وآخرین.العقل الظنی لم یکن هو المسند، العقل القطعی کان یلتفت إلى المقاصد أحیانا؛ المقاصد القطعیة التی ثبت بالعقل أنها مقاصد الشرع ، فکان هذا محط نظر الفقهاء وخصوصا الشهید الأول واستمر على هذا المنوال الشهید الثانی، فیلفت النظر کثیرا لما یحکم به العقل فی استدلالاته الفقهیة کما یلفت النظر إلى ما تدل علیه النصوص الشرعیة من المقاصد، ولذلک أحیانا یستدل لإثبات حکم أو لنفی حکم بما تدل علیه النصوص الشرعیة من المقاصد، هذا المنوال صار علیه الشهید الثانی فی مؤلفاته وبالأخص فی کتابه "مسالک الافهام".

5- بعد التطویر الکبیر الذی أدخله العلامة الحلّی على الفقه المقارن مستکملا فی ذلک دور الشیخ الطوسی ؛ استأنف الشهیدان الأول والثانی هذا الدور، لدرجة یرى معها البعض أنّ النموذج الأفضل المطروح عبر تاریخ الشیعة فی مجال الفقه المقارن هو نموذج الشهیدین.. هل تتفقون مع هذا الطرح؟

ج- الذی کان یتمیز به الشهید الثانی هو أنه کان یفتی للشیعة وللسنة وبهذا کان یتمیزعن فقهائنا الآخرین، وإن کانوا على مستوى الاستدلال الفقهی یتعرضون لأراء أهل السنة أیضا کما یتعرضون للرأی الشیعی. ولکن لم یکونوا على مستوى إفتاء السنة کما هو الحال بالنسبة للشیعة، الموقع العلمی الممتاز الذی تمیز به الشهید الثانی فی المجتمع الإسلامی آنذاک جعله فی موقع یفتی المسلمین عامة فکان مطلعا على فقه المذاهب الأخرى ویفتی لهم بحسب بحسب مذاهبهم، وهذا جعله متمکنا ومحیطا إحاطة تامة بفقه المذاهب الإسلامیة الأخرى، شأنه فی ذلک إحاطته وإلمامه بالفقه الإمامی.

6- کیف تقیّمون الممارسة الفقهیة عند الشهید الثانی، وهل هنالک فی نظرکم قیمة کبرى مهدورة أو ملمح جوهری فی هذه الممارسة بحاجة إلى إحیاء وتطویر؟

ج- أرى أنّ من أهم جوانب الفکر الشهید الثانی الفقهی هو تحرر الفقیه من مفروضات الحالة السیاسیة والحالة الاجتماعیة، کانت هذه المحاولة موجودة فیما سبق عصر الشهید الثانی، ولکن برزت هذه الحالة فی فقه الشهید الثانی أشد مما برز على فقه غیره من الفقهاء، کما أشرت فی رسالة صلاة الجمعة، فتعتبر خطوة فریدة وشجاعة جدا مما یؤکد على أن الشهید الثانی کان فقیها متحررا من قیود التی تفرض على الفقیه أحیانا وعلى الذهنیة الفقهیة فی أحیان أخرى..القیود التی کانت تفرضها موروثات المجتمعات التی کان یعیش فیها الفقهاء تترک الأثر على الذهنیة الفقهیة، فالحالة التی یعیشها الناس مع الفقیه تؤثر بلا شک، فحینما یرى الفقیه فی مجتمعه أن عملا ما لا یمارسه أبناء عصره، بل وأبناء العصر الذی تقدم على عصره، عدم ممارسة المجتمع الذی یعیش فیه لفریضة کفریضة الجمعة تترک فی الذهنیة الفقهیة للفقیه أثرا سلبیا فیما یخص هذه الفریضة وقد تحرر فقیهنا من هذا الأثر کما ذکرنا، وبالإضافة إلى ذلک نجد أن الشهید الثانی(رض) قد اهتم بالتربیة العلمیة إلى جانب اهتمامه بالممارسة العلمیة، لیس فی کتابه "منیة المرید" فحسب بل وفی کتبه الأخرى التی ألفها فیما یخص سلوک الطالب والأدب الذی لابد أن یسلکه الإنسان المتأدب بالأدب الإسلامی والإلهی، فی کتابه "منیة المرید فی أداب المفید والمستفید" نجد موسوعة فریدة من نوعها فی ما یخص أخلاق العالم والمتعلم، اهتمامه أیضا بدرایة الحدیث و تدوینه الدرایة بهذا الصدد؛ هذا أیضا یشیر إلى أنه کان مهتما بأن یکون العمل الفقهی عملا منهجیا مستندا إلى المنهج الاستدلالی الصحیح، فالعالم لابد أن یجمع بین علمیة المنهج من ناحیة وبین أخلاقیة السلوک من ناحیة أخرى، وهکذا نجد أن الشهید الثانی اهتم بأخلاقیة السلوک العلمی فی کتابه منیة المرید واهتم بمنهجیة الحوار فی کتابه درایة الحدیث أو الدرایة.


المصدر:  وكالة رسا للأنباء



إرسال التعليقات
لن يتم نشر التعليقات التي تحتوي على عبارات مسيئة
الاسم:
البرید الإلکتروني:
* رأیکم: